جوزاف عون يربط السيادة بالاقتصاد ويدعو لتنشيط الأعمال والإصلاحات
جوزاف
بيروت : 01-09-2026 | The Verificat + مصادر لبنانية
مناسبة تاريخية تتحول إلى رسالة سياسية
أعادت الذكرى السادسة بعد المئة لإعلان لبنان الكبير ملف الدولة والسيادة إلى واجهة الخطاب السياسي اللبناني، بعدما صدرت مواقف متقاربة في العنوان العام ومختلفة في الخلفيات السياسية عن رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل. المناسبة، التي تعود إلى الأول من أيلول 1920، لم تُقدَّم هذا العام كاحتفال تاريخي منفصل عن الحاضر، بل جرى ربطها مباشرة بقدرة الدولة على البقاء، وبالحاجة إلى إنهاء الحروب، وحفظ السيادة، وإعادة المؤسسات إلى مركز القرار في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.

عون يربط بقاء الكيان بعودة الجميع إلى الدولة
الرئيس عون قال إن إنجاز 1920 أسهم في بلورة الفكرة اللبنانية ضمن كيان سياسي جامع، مشيراً إلى أن المسار استُكمل بالدستور والجمهورية عام 1926 ثم بالاستقلال وقيام المؤسسات. الرسالة الأبرز في كلامه كانت أن الرهان الحالي لا يقوم على استعادة الماضي بل على إنهاء الحروب والحفاظ على السيادة والانطلاق نحو بناء الدولة والمؤسسات وتنشيط الاقتصاد والأعمال. وأضاف أن ذلك لا يتحقق إلا بعودة الجميع إلى الدولة بوصفها المرجعية المشتركة للبنانيين. هذا الربط بين السيادة والاقتصاد يحمل دلالة عملية: لا نمو مستقراً من دون سلطة مؤسساتية تستطيع تنفيذ القانون وإدارة الحدود والاتفاقات العامة.
باسيل: لبنان لا يزول وبناء الدولة مسؤولية مستمرة
وفي موقف نُشر بعد الظهر، قال باسيل إن تأسيس لبنان الكبير كان من أعمال البطريرك إلياس الحويك، وإن لبنان مر بأزمات وحروب واحتلالات لكنه بقي متمسكاً بوحدته، مستعيداً العبارة المعروفة «أكبر من أن يُبلع وأصغر من أن يُقسم». ودعا اللبنانيين إلى بناء دولة وحفظ الشراكة والاستمرار في الحفاظ على الكيان. ورغم الخلاف السياسي العميق بين التيار الوطني الحر ومراكز القرار الحالية، فإن التشديد المتزامن على الدولة والوحدة يكشف أن النقاش لم يعد يدور حول مبدأ وجود الدولة بقدر ما يدور حول كيفية استعادة فعاليتها ومَن يحدد أولوياتها.
ذكرى 1920 في ظل جنوب غير مستقر
يأتي هذا الخطاب بينما يعيش الجنوب اللبناني حالة أمنية غير مستقرة، مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لنقاط داخل الأراضي اللبنانية واستمرار الاعتداءات والعمليات العسكرية المتقطعة. لهذا تبدو كلمة «السيادة» في الخطاب المحلي ذات محتوى ميداني لا رمزي فقط. السيادة، في معناها العملي، تشمل قدرة الدولة على حماية الحدود، وفرض المرجعية الرسمية، وإدارة التفاوض، وتأمين عودة السكان، وقيادة إعادة الإعمار، ومنع تحويل المناطق الحدودية إلى مساحات مفتوحة أمام جولات تصعيد متكررة.
المؤسسات تحت ضغط أزمات متراكمة
لبنان لا يواجه ملفاً سيادياً واحداً. الإدارة العامة ما زالت تعمل تحت ضغوط مالية وبشرية، والقطاع العام يواجه تحديات في الأجور والقدرة التشغيلية، والبلديات تعاني تفاوتاً كبيراً في الموارد، فيما تحتاج قطاعات الكهرباء والمياه والنقل والنفايات إلى استثمارات وإصلاحات عميقة. لذلك فإن الحديث عن «بناء الدولة» لا يمكن أن يبقى عبارة سياسية؛ المطلوب تحويله إلى خطط قابلة للقياس تشمل الإدارة والقضاء والأمن والمالية العامة والبنى التحتية والخدمات الأساسية.
الشراكة الوطنية كشرط للاستقرار
يضع خطاب المناسبة أيضاً مفهوم الشراكة في قلب المعادلة. لبنان يقوم على تعددية طائفية وسياسية معقدة، وأي مسار إصلاحي أو أمني طويل الأمد يحتاج إلى شرعية دستورية واجتماعية واسعة. لكن مفهوم الشراكة يصبح سلبياً إذا تحول إلى حق تعطيل دائم، كما يصبح خطراً إذا استُخدم تجاوز الشراكة لتبرير قرارات أحادية في ملفات وجودية. التحدي هو بناء آلية قرار تحترم الدستور وتمنع الشلل في الوقت نفسه، وهو ما لم تنجح الطبقة السياسية في تثبيته بصورة مستقرة خلال العقود الماضية.
الاقتصاد جزء من السيادة لا ملف منفصل
ربط الرئيس عون صراحة بين السيادة وتنشيط الاقتصاد والأعمال. هذه النقطة مهمة لأن المستثمرين والمانحين لا ينظرون إلى الإصلاح المالي منفصلاً عن الأمن والمؤسسات. الاستقرار السياسي ووضوح سلطة الدولة يخفضان مخاطر الاستثمار، بينما الانقسام حول القرار الأمني يرفع كلفة التأمين والتمويل ويؤخر مشاريع البنية التحتية. كما أن إعادة إعمار الجنوب تحتاج إلى جهة رسمية قادرة على التعاقد والرقابة وإدارة التمويل بشفافية.
مئوية الدستور تضيف بعداً مؤسساتياً
العام 2026 يحمل أيضاً مئوية الدستور اللبناني الصادر عام 1926، ما يضيف بعداً مؤسساتياً للذكرى. الدستور خضع لتعديلات أساسية، أبرزها ما ارتبط باتفاق الطائف، لكنه ما زال الإطار الذي يحدد صلاحيات السلطات والعلاقة بينها. استحضار المئوية يفتح نقاشاً حول الفجوة بين النص والممارسة: لبنان لا يعاني فقط نقص القوانين، بل يعاني في كثير من الملفات ضعف التنفيذ، وتسييس التعيينات، وتعطيل المؤسسات عند احتدام الخلافات.
ما الذي يعنيه ذلك للمواطن؟
بالنسبة إلى المواطن، قيمة الذكرى لا تُقاس بعدد البيانات بل بقدرة الدولة على تقديم نتيجة ملموسة: مدرسة رسمية تعمل، مستشفى قادر على الاستمرار، طرق وبنية تحتية آمنة، قضاء يستطيع الفصل في النزاعات، وأجهزة أمن تحمي الناس من دون انتقائية. لذلك فإن تحويل مناسبة إعلان لبنان الكبير إلى مناسبة لإعادة التأكيد على الدولة يحمل معنى إيجابياً فقط إذا تبعته قرارات تنفيذية واضحة لا إذا بقي في حدود الخطاب.
المرحلة المقبلة اختبار للترجمة العملية
ستظهر أهمية المواقف الحالية في الأسابيع المقبلة من خلال طريقة تعامل المؤسسات مع ملفات الجنوب وإعادة الإعمار والإصلاحات المالية والإدارية. إذا تحولت الدعوة إلى الدولة إلى أرضية تفاهم على خطوات محددة، يمكن للذكرى أن تتجاوز بعدها الرمزي. أما إذا استُخدمت كشعار جديد داخل الانقسام نفسه، فستبقى المسافة واسعة بين لبنان الذي أُعلن كياناً عام 1920 ولبنان الذي يحاول بعد أكثر من قرن تثبيت قدرة دولته على العمل بصورة طبيعية.



