العرب والعالم

بين بريك و«معركة الوعي»: كيف تتحول أزمة الجيش الإسرائيلي إلى مادة في الحرب النفسية؟

بين بريك و«معركة الوعي»: كيف تتحول أزمة الجيش الإسرائيلي إلى مادة في الحرب النفسية؟
بيروت | 14 سبتمبر 2026 | محمد قاسم
الملخص التحريري:

تحذيرات اللواء الإسرائيلي المتقاعد يتسحاق بريك بشأن أزمة القوى البشرية والاحتياط في الجيش الإسرائيلي تستند إلى مشكلات حقيقية وموثقة جزئيًا، لكنها تتحول في بعض التغطيات إلى استنتاجات أكبر مما تسمح به الوقائع. المقال يفرّق بين ما هو ثابت، وما هو تقدير شخصي لبريك، وما يدخل في إطار الحرب النفسية و«معركة الوعي» التي استخدمها حزب الله وإسرائيل على حد سواء. والخلاصة أن الجيش الإسرائيلي يواجه بالفعل ضغوطًا بنيوية واستنزافًا بشريًا، لكن لا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت أن هذه الأزمة أجبرته على الانسحاب من مواقعه في جنوب لبنان أو جعلت انهياره مسارًا محسومًا.

لا تكمن المشكلة الأساسية في التحذيرات التي يطلقها اللواء الإسرائيلي المتقاعد يتسحاق بريك بشأن أزمة القوى البشرية والاحتياط في الجيش الإسرائيلي، بقدر ما تكمن في الطريقة التي تُنقل بها هذه التحذيرات إلى الجمهور العربي: رأي عسكري مثير للجدل يتحول أحيانًا إلى «حقيقة ميدانية»، وتوقع إلى مسار محسوم، وأزمة حقيقية إلى صورة توحي بانهيار وشيك لا تثبته المعطيات المتاحة.

هذه المسألة تكتسب أهمية إضافية لأن الصراع بين إسرائيل وحزب الله لم يكن يومًا عسكريًا بحتًا. فإلى جانب الصواريخ والطائرات والعمليات البرية، دارت على مدى عقود معركة أخرى حول الإدراك والخوف والثقة بالمؤسسة العسكرية، وهو ما تسميه المؤسسات الأمنية الإسرائيلية نفسها «المعركة على الوعي».

نصرالله والإعلام الإسرائيلي: الخصم كمصدر معلومات

دراسات إسرائيلية منشورة منذ سنوات تقر بأن الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله كان يتابع الإعلام الإسرائيلي بصورة كثيفة، ويستخدم النقاشات الداخلية والتصريحات السياسية والعسكرية لفهم المجتمع الإسرائيلي وتحديد نقاط الضغط عليه.

ووصفت الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS أورنا مزراحي نصرالله بأنه كان مستهلكًا دائمًا تقريبًا للإعلام الإسرائيلي، يتابع ما يُكتب ويقال ويُبث ثم يعود إليه في خطاباته. كما أشار المعهد إلى أن حزب الله استخدم خطابات نصرالله والتغطية الواسعة التي كانت تحصل عليها داخل إسرائيل كأحد أهم مسارات حملته النفسية في مواجهة الجمهور والقيادة الإسرائيليين.

ويذهب بحث آخر للمعهد، تناول حرب لبنان عام 2006، أبعد من ذلك، إذ خلص إلى أن حزب الله حقق إنجازًا في «الساحة الإدراكية» رغم التفوق العسكري الإسرائيلي، وأن الإخفاق الإسرائيلي في إدارة الجانب الإعلامي للحرب ساعد في تشكيل الرواية التي أراد حزب الله إيصالها.

وبذلك فإن فكرة استخدام الإعلام الإسرائيلي نفسه كجزء من الحرب النفسية ليست فرضية عربية مستحدثة، بل موضوع دُرس داخل مراكز البحث والأمن الإسرائيلية.

لكن ثمة فارقًا ضروريًا بين هذا وبين القول إن كل جنرال إسرائيلي ينتقد الجيش يعمل ضمن «شبكة تضليل». لا توجد أدلة علنية تسمح بهذه القفزة.

كذلك، لم نعثر على مصدر أولي موثوق يثبت العبارة المتداولة بصيغتها الحرفية التي تنسب إلى بنيامين نتنياهو اعترافًا بأن نصرالله «أنشأ شبكة من وسائل الإعلام والخبراء الإسرائيليين». لذلك لا يصح مهنيًا نسب هذه الصياغة إليه من دون تسجيل أو نص أصلي يمكن التحقق منه.

بريك: ناقد حقيقي أم مصدر يجب التعامل معه بحذر؟

يتسحاق بريك ليس شخصية إعلامية مجهولة. هو لواء احتياط شغل منصب مفوض شكاوى الجنود، وتحول خلال السنوات الماضية إلى واحد من أكثر المنتقدين حدة لبنية الجيش الإسرائيلي، ولا سيما القوات البرية ومنظومة الاحتياط.

قسم من انتقاداته يستند بالفعل إلى مشكلات موثقة.

الجيش الإسرائيلي نفسه نشر تحليلات تتناول تقليص منظومة الاحتياط وإغلاق وحدات وتسريح أعداد كبيرة من جنود الاحتياط على مدى سنوات. كذلك أصبحت أزمة تجنيد الحريديم والإجهاد المتراكم على قوات الاحتياط من الملفات المركزية داخل إسرائيل.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول تقديرات بريك إلى توصيف وحيد للحقيقة.

فعبارات مثل «تقليص الجيش البري بالثلثين» أو أن الجيش «لم يعد يمتلك العدد اللازم لاستبدال القوات» تبقى، عندما تصدر عنه، جزءًا من تقييمه هو، وتتطلب التحقق المستقل قبل تحويلها إلى حقائق رقمية قاطعة.

وهذا مهم خصوصًا لأن قادة عسكريين إسرائيليين سابقين وحاليين خالفوا بريك في أجزاء جوهرية من تشخيصه.

من الخط الأصفر إلى الحدود: هنا يبدأ التضليل

أوضح مثال هو الحديث عن اضطرار الجيش الإسرائيلي، بسبب نقص الجنود، إلى الانسحاب تدريجيًا من «الخط الأصفر» في جنوب لبنان إلى «الخط الرمادي»، ثم إلى «الخط الأسود» عند الحدود.

هذا السيناريو يمكن نسبه إلى بريك إذا كان قد طرحه، لكن تقديمه كمسار عسكري يجري تنفيذه فعلًا يتعارض مع أحدث موقف رسمي معلن للجيش الإسرائيلي.

ففي 11 سبتمبر 2026، أي قبل أيام فقط، قال رئيس الأركان إيال زامير خلال زيارة إلى جنوب لبنان إن «الخط الأصفر يبقى تحت سيطرتنا الكاملة ومن دون تغيير»، وربط أي تقدم في الترتيبات مع لبنان بمدى ما وصفه بفاعلية الجيش اللبناني على الأرض.

هذا لا يعني أن إسرائيل لن تغير انتشارها لاحقًا، ولا يعني أن بريك مخطئ بالضرورة في توقعه على المدى البعيد.

لكنه يعني شيئًا أكثر تحديدًا: لا يجوز صحافيًا تحويل توقعه إلى حقيقة حاضرة.

الفرق بين العبارتين جوهري:

«بريك يرى أن النقص في القوى البشرية قد يدفع الجيش إلى تقليص انتشاره».

و:

«الجيش يجد نفسه مضطرًا إلى الانسحاب».

الأولى تنقل رأيًا إلى صاحبه. الثانية تقدم استنتاجًا باعتباره حقيقة.

إسرائيل نفسها تخوض حربًا على الوعي

الصورة تصبح أكثر تعقيدًا لأن إسرائيل، في المقابل، تستخدم هي الأخرى الإعلام والخطاب العام كأدوات عملياتية.

دراسة منشورة عن الإعلام الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر تحدثت عن تحول أجزاء واسعة من التغطية إلى عنصر في «عملية تأثير» داخل المجتمع الإسرائيلي، حتى من دون أن يعني ذلك تجنيد الصحافيين رسميًا من قبل الدولة. ووصفت الدراسة حالة من الاصطفاف الطوعي للإعلام مع الأهداف النفسية والاجتماعية للحرب خلال مراحلها الأولى.

كما تُظهر دراسات إسرائيلية عن المواجهة مع حزب الله أن المؤسسة العسكرية أنشأت آليات ومراكز مخصصة لـ«الوعي»، وأن عمليات عسكرية محددة رافقتها أهداف إعلامية ونفسية، بما في ذلك التخطيط للصور والخطابات والرموز التي يفترض بثها بعد العمليات.

إذاً، الحديث عن حرب نفسية ليس وصفًا إنشائيًا، بل عن مجال عسكري وسياسي حقيقي يعمل عليه الطرفان.

المعلومة الصحيحة يمكن أن تصنع خبرًا مضللًا

أخطر التضليل ليس الكذبة الكاملة.

من السهل كشف خبر يقول إن الجيش الإسرائيلي «انهار بالكامل» أو إن عشرات الألوية اختفت فجأة. الأصعب هو النص الذي يستخدم عشر حقائق صحيحة ثم يربط بينها بعلاقة سببية غير مثبتة ليقود القارئ إلى نتيجة لم تقلها المصادر.

وهذا تحديدًا ما يجب الانتباه إليه في التعامل مع تصريحات بريك.

نعم، هناك أزمة قوى بشرية إسرائيلية.

نعم، الاحتياط يتعرض لضغط مستمر.

نعم، المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها ناقشت على مدى سنوات أخطاء في حجم القوات البرية.

لكن لا ينتج عن ذلك تلقائيًا أن إسرائيل أصبحت عاجزة عن الاحتفاظ بمواقعها في جنوب لبنان، أو أنها قررت الانسحاب، أو أن انهيار الجيش أصبح مسألة وقت.

وبالقدر نفسه، لا يجوز أخذ تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي بوصفها وصفًا محايدًا للواقع؛ فهي أيضًا جزء من خطاب الردع وإظهار القوة أمام الخصم والجمهور الإسرائيلي.

بين بريك وزامير.. أين تقع الحقيقة؟

الحقيقة في الحروب لا توجد عادة في تصريح واحد.

بريك لديه مصلحة في إظهار حجم الأزمة التي حذر منها منذ سنوات، والقيادة الحالية للجيش لديها مصلحة مقابلة في إظهار السيطرة والقدرة على الاستمرار.

أما العمل الصحافي، فلا يفترض أن يختار الرواية الأكثر إثارة، بل أن يضع الروايتين أمام الوقائع.

والنتيجة التي تسمح بها المصادر المتاحة حتى الآن أكثر تعقيدًا من كلا الخطابين:
الجيش الإسرائيلي يعاني بالفعل أزمة متراكمة في القوى البشرية والاحتياط واستمرار الحرب يضاعفها، لكن الأدلة العلنية لا تثبت حتى الآن أن هذه الأزمة أجبرته على التخلي عن «الخط الأصفر» في لبنان. أما بريك، فهو مصدر مهم لفهم حجم الخلاف داخل المؤسسة الإسرائيلية، لا مصدرًا منفردًا يمكن تحويل كل توقعاته إلى حقائق ميدانية.

وفي صراع بُني جزء كبير منه على كسر إرادة الخصم قبل كسر قدرته العسكرية، تصبح هذه المسافة بين المعلومة والتفسير، وبين التفسير والحرب النفسية هي المسافة التي تفصل الخبر المهني عن الدعاية.

al3rabiya.com — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى